الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

238

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بعد هذه الأقسام المهمة المتتالية يخلص السياق القرآني إلى النتيجة فيقول : قد أفلح من زكاها . والتزكية تعني النمو ، " والزكاة " في الأصل بمعنى النمو والبركة ، وورد عن علي ( عليه السلام ) قوله : " المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق " ( 1 ) . ثم استعملت الكلمة بمعنى التطهير ، وقد يعود ذلك إلى أن التطهير من الآثام يؤدي إلى النمو والبركة ، والآية الكريمة تحتمل المعنيين . نعم ، الفلاح لمن ربى نفسه ونماها ، وطهرها من التلوث بالخصائل الشيطانية وبالذنوب والكفر والعصيان . والمسألة الأساسية في حياة الإنسان هي هذه " التزكية " ، فإن حصلت سعد الإنسان وإلا شقى وكان من البائسين . ثم يعرج السياق القرآني على المجموعة المخالفة فيقول : وقد خاب من دساها . " خاب " : من الخيبة ، وهي فوت الطلب ، كما يقول الراغب في المفردات والحرمان والخسران . " دساها " من مادة " دس " وهي في الأصل بمعنى إدخال الشئ قسرا ، وجاء في الآية ( 59 ) من سورة النحل قوله سبحانه : أم يدسه في التراب ، إشارة إلى عادة الجاهليين في وأد البنات ، أي إدخالهن في التراب كرها وقسرا ومنه " الدسيسة " التي تقال للأعمال الخفية والضارة . وما هي المناسبة بين معنى الدس ، وقوله سبحانه : وقد خاب من دساها . قيل : إن هذا التعبير كناية عن الفسق والذنوب ، فأهل التقوى والصلاح يظهرون أنفسهم ، بينما المذنبون يخفونها ، ويذكر أن العرب الكرماء جرت عادتهم

--> 1 - نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 147 .